![]() | ![]() | ||||
| | | | | ||
| | |||||
|
| ![]() |
| | #121 | |
|
. ![]() |
| |
|
| | #122 | |
|
. ![]() |
| |
|
| | #123 | |
|
. ![]() |
| |
|
| | #126 |
|
. ![]() | الهَمْدانيّ (الحسن بن أحمد) (280 ـ بعد 345هـ/893 ـ بعد 956م) أبو محمّد الحسن بن أحمد بن يعقوب بن يوسف بن داود بن سليمان الهَمْدانيّ، المعروف بلسان اليمن، وبالنَّسّابة، وبابن الحائك، وبابن الدُّمَينة، وبابن ذي الدّمْنة. شاعرٌ يماني، عبّاسيّ مُفْلِقٌ فَحْل، محسِنٌ في تصريف القوافي، قابضٌ بنَواصِيها، وأديبٌ فَطِنٌ بتوليد المعاني، مولعٌ بابتكارها، ولُغَوِيٌّ مُتَبَحِّرٌ في لسانه، ونَحْوِيٌّ حَذِقٌ بأَنْحاء العربيّة، ونَسّابةٌ لم يبلغْ شَأْوَه غيرُهُ، عليه كان المعوَّل في أنساب الحِمْيَرِيِّين والهَمْدانِيِّين، وفيلسوفٌ ممنوحٌ علمَ الفلسفة، مُهَيّأٌ طَبْعُهُ للعَناية به، وجُغرافيٌّ مُنَقِّبٌ بَحّاثة، وأَثَرِيٌّ فَكَّ طَلاسِم الخَطّ المُسْند، وأَنْطَق حروفه، وأحيا لسان حمير، ومُنَجِّم بارعٌ. لُقِّب بابن الحائك لحَوْكِه الشِّعر، إِذْ كان سليلَ أسرة توارثتْ حَوْكَ القوافي وتَثْقِيْفَها، ولجدّه سليمان بن عمرو المعروف بذي الدِّمْنَة الشّاعر، أبياتٌ، تَغصُّ بالمعاني الشّريفة، منها: إِذا المَرْءُ لم يَسْتُرْ عنِ الذَّمِّ عِرْضَهُ بِبُلْغَةِ ضَيْفٍ أو بِحاجَةِ قاصِدِ فَما المالُ إِلاّ مُظْهِرٌ لِعُيُوبِهِ وداعٍ إِلِيْهِ مِنْ عَدُوٍّ وحاسِدِ انتقلت أسرة الهَمْدانيّ من منازلها الأولى بـ(المراشي) بجوف هَمْدان، إلى الخارد، وهو وادٍ بالجوف أيضاً غير أنّهم خالطوا فيه بلحارث من مَذْحِج؛ ثمّ انتقلت الأسرة نقلةً أُخرى أولّ القرن الثّالث الهجريّ إلى صنعاء، واستقرّوا بها، فكانت مسقطَ رأس الهَمْدانيّ. اشتُهر بكثرة تصانيفه ونَفاستها، ولاسيّما ما يخصّ أخبار صُقْعه، وأنساب قومه، منها: ـ «الإكليل»؛ وهو أَنْبَهُ تآليفه وأظهرها، يقع في عشرة أجزاء، انتهى إلينا منها أربعة أجزاء: الأوّل: في المبتدأ وأصول أنساب العرب والعجم، ونسب ولد حِمْير؛ والثّاني في نسب ولد الهَمَيْسَع بن حِمْير؛ وقد نُشرا نشراتٍ عدّة، والثّامن: في مَحافِد اليمن ومَساندها ودَفائنها وقصورها، ومراثي حِمْير والقبوريّات، والعاشر، وهو في معارف هَمْدان وأنسابها وعيون أخبارها. ـ «صفة جزيرة العرب»: يعدّ هذا الأَثر الجليل من أقدم آثار السَّلف في البلدان والمواضع الّتي انتهت إلينا وأَنْفَسِها، وعليه كان مُعَوّل البكريّ وياقوت في معجمَيهما «معجم ما اسْتَعْجَم» و«معجم البلدان»، كما يُعدّ مُصَنِّفه رائداً في البحث والتنقيب؛ إذ رَصَد ما رصد عن رؤية ومشاهدة وعظيم معرفة، ولاسيّما ما يخصّ جنوبي الجزيرة. نَشَره في جزأين المستشرق مولر سنة 1884م. ـ «سرائر الحكمة»، انتهى إلينا منه المقالة العاشرة. ـ «الجَوهرتان العَتِيقتان المائعتان البيضاء والصفراء»، يُعَدّ هذا العِلْق النادر من أوفى ما انتهى إلينا في علم التعدين، حقّقه علاّمة الجزيرة الشيخ حَمَد الجاسر. ـ «شرح القصيدة الدّامغة»، تنازع هذا الشرحَ، الّذي يَعِجُّ بالأخبار الطريفة والأشعار العزيزة النادرة الّتي لا يُدرك كثيرٌ منها في غيره = الهَمْدانيُّ ومحمّدٌ ابنُه، فذهب محمّد بن نَشوان الحِمْيريّ والقِفْطيّ إلى مُناصَرة ابنه، في حين يصرخُ العلم المبثوث في تضاعيف هذا الشّرح بنسبته إلى أبيه، يُؤَيِّد ذلك القَرائن والأحداث الّتي عُلِمت نسبتها إلى الهَمْدانيّ الأَب من آثاره الأخرى. وممّا لم ينتهِ إلينا من كُتُبه حتّى السّاعة «الإِبِل» و«أخبار الأوفياء» و«أسماء الشهور والأيّام» و«الإكليل 3، 4، 5، 6، 7، 9» و«الأنساب» و«الأيّام» و«الحرث والحيلة» و«ديوان شعره» و«الزّيج» و«سرائر الحكمة» ما عدا المقالة العاشرة، و«السّير والأخبار» و«الطّالع والمطارح» و«القُوى في الطّب»، و«المسالك والممالك» و«مفاخر اليمن» و«اليَعْسوب»، عَجَّل الله ظهورها. كان الهَمْدانيّ إضافة إلى علمه واشتغاله بالتصنيف غزير الشِّعر، وقّاد القريحة، غير أنّ العوادي عَدَتْ على شعره، فلم يَنْجُ منه إلاّ نَزْرُه، جاءنا مُفرّقاً في ثنايا بُقْيا كُتبه، ما خلا قصيدتَه الدّامغة، التي انتهت إلينا في ستّمئة بيت وبيتين، يُرْكَن إلى تمامها. وقد بلغت أشعار الرجل من الشهرة في عصره ما حمل ابنَ خالويه بعد وفاته على أن يرتحل في طلبها من العراق إلى اليمن، وفي ذلك يقول القِفْطِيّ: «ولمّا دخل الحسين بن خالويه الهمذاني النَّحْويّ إلى اليمن، وأقام بها بِذَمار جمع ديوان شعره وعرّبه وأعربه. وهذا الدّيوان بهذا الشّرح والإعراب موجود عند علماء اليمن، وهم به بُخلاء. وشعره يشتمل في الأكثر على المقاصد الحَسَنة، والمعاني الجَزْلَة الألفاظ، والتّشبيهات المصيبة الأَغراض، والنّعوت اللاصقة بالأعراض، والتحريض المحرِّك للهِمَم المِراض، والأمثال المضروبة، والإشارات المَحْجوبة والتصرّف في الفنون العجيبة». وتعدُّ الدّامغة من أتمَّ المُطولات التي انتهت إلينا من تَرِكَة شعراء هذا اللسان العربيّ، وليس تمامها هو مبعث أهمّيتها فحسب، بل احتواؤها على إشاراتٍ عظيمةِ الخَطَر، وتخصُّرُها نُتَفاً من القصائد التي قِيلت قبلها، كقصيدة الكميت الأَسَدِي، ودِعبل الخُزاعيّ، والأعور الكلبيّ، هاتيك القصائد التي أمدّت الأدب برافدٍ غزير العيون، مستمرّ الجريان، ثمّ حُجِبت فيما حُجِب من ذخائرَ نفيسةٍ، وأعلاقٍ عزيزة، فلم ينته إلينا منها إلاّ النّزر اليسير، وقد نشرت مستقلة في مجلّة «التّراث العربيّ» بدمشق؛ ومنها قوله: أَلا يَا دَارُ لَوْلاَ تَنْطِقِيْنَا فَإِنَّا سَائِلُونَ ومُخْبِرُونَا بِمَا قَدْ غَالَنَا مِنْ بَعْدِ هِنْدٍ ومَاذَا مِنْ هَوَاهَا قَدْ لَقِيْنَا فَضِفْنَاكِ الغَدَاةَ لتُنْبِئِيْنا بِها أيْنَ انْتَوَتْ نَبَأً يَقِيْنا؟ وعَنْكِ، فَقَدْ نَراكِ بَلِيْتِ حَتَّى لَكِدْتِ مِنَ التَّغَيُّرِ تُنْكَرِيْنا أَمِنْ فَقْدِ القَطِيْنِ لَبِسْتِ هَذا ؟ فَلا فَقَدَتْ مَرابِعُكِ القَطِيْنا وقال في آخرها: فَكَمْ حِلْمٍ أَفادَ المَرْءَ عِزًّا ومِنْ جَهْلٍ أَفادَ المَرْءَ هُوْنا وحَسْبُكَ أَنَّ جَهْلَ المَرْءِ يُضْحِي عَلَيْهِ لِلْعِداءِ لَهُ مُعِيْنا مُقْبِل التّامّ **** عامر الأحمدي |
|
| | #127 |
|
. ![]() | ![]() البردوني (عبد الله) عبد الله بن صالح البردوني، من شعراء اليمن؛ ولد بقرية البردون من أعمال مديرية الحدا محافظة (ذمار) جنوب شرقي صنعاء. أصيب بمرض الجدري الذي كان يحصد الآلاف من اليمنيين ففقد بصره وهو في العاشرة من عمره. درس القرآن في كتَّاب القرية، ثم التحق بالمدرسة الشمسية بذمار فتلقى علوم الدين واللغة وعلم الكلام والأدب العربي والتاريخ. اتُّهِم بالزندقة فدخل سجن ذمار ومنه نقل إلى سجن صنعاء، فقضى فيه مدة قصيرة، ثم دخل مدرسة دار العلوم بصنعاء، فأكمل دراسته فيها ثم عمل مدرساً فيها للأدب العربي. وقدّم للإذاعة اليمنية برنامجاً أسبوعياً بعنوان (مجلة الفكر والأدب) استمر ثلاثين عاماً ، كما أصدر اثني عشر ديواناً وثمانية كتب، وعقد العشرات من المحاضرات وحضر عدة ندوات ومؤتمرات في مختلف الأقطار العربية واستضافه كثير من الجامعات وحاز أوسمة وجوائز تقديرية عدة لكونه واحداً من أبرز الأدباء والمفكرين العرب وأول رئيس لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين. نال حظاً وافراً من علوم الدين واللغة والتاريخ وعلم الكلام الذي قاده إلى الفلسفة كما قاده المذهب الزيدي، الذي تجاوزه فيما بعد، إلى الاجتهاد، وآراؤه في الاجتهاد أدّت إلى اتهامه بالزندقة. وفي صنعاء العاصمة التقى عدداً من الشخصيات المستنيرة المتطلعة إلى حياة أفضل. عمد إلى التثقيف الذاتي فنهل من المكتبات الخاصة والعامة ولاسيما ما يتعلق منها بالفكر والأدب قديمه وحديثه مدفوعاً كغيره من معاصريه برياح التغيير التي دخلت اليمن بعد الحربين العالميتين مدركاً أن الذي أسقط الحركات الوطنية هو التخلف الاجتماعي للشعب، فتعاطى السياسة في شعره ونثره فانتقلت القصيدة في شعره من التقليدية إلى الرومنسية فالرمزية فالواقعية، والمقالة إلى البحث والدراسة. ويظهر هذا عند مقارنة دواوينه وكتبه القديمة بالجديدة التي تناول فيها مختلف القضايا الفكرية والسياسية والاجتماعية والأدبية معتمداً على التداعيات ومبدأ الفكرة تجر الفكرة وشجون الأحاديث ويتعمد أحياناً في سبيل ذلك افتعال المواقف على نحو لا يجرؤ عليه غيره ليحرك الماء الآسن وفق تعبيره. وحملت دواوينه الاثنا عشر العنوانات التالية: «من أرض بلقيس» و«في طريق الفجر» و«مدينة الغد» و«لعيني بلقيس» و«السفر إلى الأيام الخضر» و«وجوه دخانية في مرايا الليل» و«زمان بلا نوعية» و«ترجمة رملية لأعراس الغبار» و«كائنات الشرق الآخر» و«رواغ المصابيح» و«جواب العصور» و«رجعة الحكيم بن زائد». ومن كتبه «رحلة في الشعر اليمني قديمه وحديثه» و«قضايا يمنية» و«فنون الأدب الشعبي في اليمن» و«الثقافة الشعبية تجارب وأقاويل يمنية» و«من أول قصيدة إلى آخر طلقة» وهو دراسة في شعر الزبيدي وحياته. وفي هذا المخاض الجديد بين القديم والحديث اطلع على كثير من النظريات والأيديولوجيات التي تركت أثرها في تفكيره شعراً ونثراً وإن لم ينتم إلى أي منها. ظل البردوني عالماً قائماً بذاته يرفض كل ما هو مسلَّم به ومقدس، ويأخذ من كل فن بطرف باحثاً عن الجمال والكمال في المجهول الغائب الذي كان يرسمه في مخيلته كما يشاء فالزمان والمكان ليسا التاريخ، وإنما هما وعاء له يكتسبان صفاتهما منه، والتاريخ ليس التعاقب للسنين والأحداث وإنما هو مجمل الأعمال الإنسانية، والذي يدون وسيدون في الكتب ليس كل شيء عن الإنسان والحياة وإن كتب التاريخ الرسمية لا تفي بالحقيقة المجتمعية ولا تعبر عنها. لذلك انغمس في الموروث الشفاهي والشعبي في العادات والتقاليد والأمثال والأهازيج سعياً وراء هدم العوائق التي تحول دون اكتشاف الحقيقة ولمواجهة الوعي الزائف الذي كان سائداً. كان يستدعي الرموز التاريخية والوطنية ليحاكمها كما يريد، ويطرح إسقاطاته عليها خارج زمانها ومكانها. تحولت الشخوص عند البردوني وجوهاً دخانية كما في ديوانه (وجوه دخانية في مرايا الليل) تلك المرايا التي رأى فيها الأشياء معكوسة كما في قصيدته (وجه الوجوه المقلوبة) وقد حاول فيها إثبات علاقة المتوازي بين الأضداد وبصورة متكررة كقوله: سيّانِ القاتلُ والمقتول سيّانِ الشامتُ والجاني سيّانِ الموطنُ والمنفى سيّانِ الظافرُ والعاني سيّانِ المُعْطي والمُرْدي سيّانِ المَرّئي والرائي وتتبادل الأبعاد مواقعها: فالفوق سقوطٌ صخريٌّ والتحتُ سقوطٌ إنسانيّ نفسُ النوعِ الأعلى الأدنى وجهُ الأول وجه الثاني اغترب منجذباً إلى اللانهائي ليندمج في الحضور الكلي والفاعل فنراه يسترجع ذاكرته متسائلاً: رُدّي يا ضوضاءُ الموتى صَوتي وبقيةَ أحزاني يا وَهْجَ الزّيف أعِدْ بصري يَبِسَت عيناك بأجفاني ثم يفتح بصيرته ليقودنا معه إلى الحقيقة التي ظل يبحث عنها: جلدي من لندن من رومة وقوامي (كوزٌ جَهْرَاني) يمنيٌ أمـيٌّ لكن حدسي أقرأُ من يوناني القات الغربة والذكرى والهم الداني همداني كالورد أموتُ لكي تدري (أروى) أن العِشق يماني مات البردوني من غير أن يعقب، ولكنه أنجب الكثير من بنات أفكاره. علي بن علي صبرة |
|
| | #128 |
|
. ![]() | ![]() فرويد (سيغموند) (1856-1939) سيغموند فرويد Sigmund Freud طبيب أعصاب نمساوي ومؤسس التحليل النفسي psychoanalysis، ولد في بلدة فرايبرغ Freiberg الواقعة في تشيكيا حالياً، وكانت حينذاك تابعة للامبراطورية النمساوية، وتوفي في لندن. وهو سليل عائلة يهودية برجوازية، إذ كان والده ياكوب Jakob تاجر أصواف، تزوج ثلاث مرات، وكان جداً في الأربعين حين ولادة سيغموند، ذا نشأة وتربية أبوية صارمتين. أما والدته أمالْيِه ناتانْزون Amalie Nathansohn ذات العشرين عاماً حين الزواج، فكانت ذات تربية يهودية تقليدية، فلقّنت بِكرها أصول اليهودية وشعائرها، في حين كانت مربيته تشيكية كاثوليكية ناطقة بالألمانية تأخذه معها دائماً إلى القداسات الكنسية. وقد انعكست هذه الازدواجية في أولى دراساته حول الدين التي نشرها عام 1907 بعنوان «سلوكيات قسرية وممارسات دينية» Zwangshandlungen und Religionsübungen. كان فرويد في الرابعة من عمره جينما اضطرت عائلته، بسبب مضايقات دينية وتجارية، إلى الهجرة إلى مدينة لايبزيغ Leipzig في ألمانيا، ثم إلى العودة بعد مدة قصيرة إلى ?يينا عاصمة الامبراطورية، حيث عانى وعائلته من المضايقات اللاسامية، لدرجة أن فَقَدَ احترامه لوالده نتيجة خضوعه لاضطهاد «الغالبية المضللَّة». وعلى الرغم من ذلك كان فرويد دائماً الأول في صفوفه الدراسية، فدخل الجامعة وهو في السابعة عشرة ليدرس الطب. وقد أعجب بنظرية داروين في «النشوء والارتقاء» وجعلها مبدأه العام في تفسير الظواهر الحياتية، وتتلمذ مدة ست سنوات على يد العَّلامة إرنست بروكِّه Ernst Brücke القائل إنه لا يوجد في الجهاز العضوي من عمليات قابلة للتفسير سوى الكيمياوية والفيزيائية، فطبَّق فرويد هذا المبدأ على العمليات النفسية كافة. حصل عام 1881 على درجة الدكتوراه في الطب، لكنه لم يكن قادراً مادياً على افتتاح عيادة خاصة؛ فتابع العمل في الجامعة في قسم التجارب والتحاليل المخبرية، لكن المردود لم يقم بأوده، فقبل نصيحة بروكِّه ووساطته للعمل في قسم الأمراض العصبية في مستشفى خاص في ?يينا، كما حصل على فرصة التقدم للدكتوراه الثانية Habilitation التي أهلَّته للتدريس في الجامعة، وكان موضوع الأطروحة في ميدان أسباب وعوارض الأمراض العصبية. وافتتح عيادته التخصصية العصبية، وطرد مربيته التي حمَّلها مسؤولية بعض اضطراباته العصبية، وتزوج من اليهودية مارتا بِرْنايز Martha Bernays التي التقاها قبل أربع سنوات وكتب لها تسعمئة رسالة، موافقاً على عقد قران يهودي رسمي ولكن من دون الشعائر التقليدية المرافقة. وكانت زيجة ناجحة بثلاثة أبناء وثلاث بنات. عالج فرويد بعض المرضى في تلك المرحلة بالكوكايين، وحينما ثبت إخفاق العلاج فَقَدَ فرويد فرصة الحصول على منصب أستاذ بكرسي في الجامعة. فقدَّم له أستاذه بروكِّه منحة إلى باريس مدة خمسة شهور للتدرب على طريقة طبيب الأعصاب الفرنسي جان شاركو Jean Charcot في معالجة حالات الهستيريا بالتنويم المغنطيسي hypnotic suggestion. وعند عودته إلى ?يينا لم تلق هذه الطريقة قبولاً في الأوساط الطبية، لكنه استخدمها مع مرضاه مطوراً إياها نحو طريقة التداعي الحر Freie Assoziation، حتى توصل إلى صياغة «نظرية الكبت» Verdr?ngungstheorie ثم طريقة التطهير Methode der Katharsis بين 1889-1891، وهي أساس التحليل النفسي. وقد استمر فرويد بالعمل في عيادته، وبنشر مقالاته وكتبه، وفي الجامعة حيث مُنح في عام 1902 مرتبة أستاذ فوق العادة ضَمِنت له راتباً تقاعدياً معقولاً. ومنذ عام 1908 صار مساعده الأول الطبيب النفسي السويسري كارل غوستاف يونغ[ر]C.G.Jung ما بين (1875-1961). وفي عام 1924 أصيب فرويد بسرطان في سقف الحلق، فأُجري له حتى وفاته أكثر من ثلاثين عملاً جراحياً، من دون جدوى. وعندما احتل النازيون النمسا عام 1938 أقنعه أصدقاؤه بالهروب إلى إنكلترا. وفي أيلول/سبتمبر عام 1939 أقنع فرويد طبيبه الإنكليزي الخاص بإعطائه جرعة زائدة من المورفين، ينهي بها حياته، فوافق الطبيب. درس فرويد أهمية الدوافع والعواطف اللاشعورية والعوامل الجنسية ولاسيما في طور الطفولة، وتخصص في معالجة مشكلات الجهاز العصبي، ولاسيما الاضطرابات العصابية وكيفية علاجها، في وقت عجز فيه الأطباء عن فهمها ومعالجتها. وشاعت أفكاره في الأوساط العامة ونفذت بالتدريج إلى العلوم الإنسانية كلها، وتجاوز التحليل النفسي مجالات الطب وعلم النفس والأنثروبولوجيا، لينطبق على التربية والأدب والفن وعلم الأساطير. منهج فرويد في التحليل النفسي اهتم فرويد منذ البداية بالنفس البشرية، وبالأدب والفلسفة وأدب الأساطير القديمة إذ استطاع من مطالعاته أن يوظف هذا كله في نظريته (التحليل النفسي). وكانت نظريته وآراؤه تعد غريبة ومستهجنة في ذلك الحين. وعمل مع طبيب آخر كانت له شهرة في ?يينا هو يوزِف بروير Joseph Breuer الذي اشترك معه في كتابة بحوث ودراسات عن الهستريا فنشرا كتاباً بعنوان «دراسات في الهستيريا»Studien über Hysterie عام (1895)، ويمكن أن يُعد ظهور هذا الكتاب بدءاً لتاريخ التحليل النفسي. وواصل فرويد بحوثه وحيداً بعد انفصاله عن بروير؛ لاختلافهما بشأن أهمية العامل الجنسي في الهستيريا. وكانت السنوات الأربع الأخيرة من القرن التاسع عشر أكثر السنوات إنتاجاً في حياته، طور فيها كثيراً من مفاهيم التحليل النفسي. بدأ فرويد بالبحث عن علاج نفسي للمرضى العصابيين عوضاً من علاج الأعراض الجسمية الذي كان سائداً ورآه غير مجدٍ، فتبنى في البداية أسلوب التنويم المغنطيسي ثم رآه بعد ذلك غير مناسب لعدم وصول كل فرد إلى حالة النوم، إضافة إلى أن التنويم المغنطيسي يؤدي إلى شفاء مؤقت وظهور أعراض جديدة لاحقاً، وتوصل فرويد إلى طريقة «التداعي الحر»، وبحسب هذه الطريقة يستلقي المريض على أريكة ويشجعه فرويد على الحديث بكل ما يرد على ذهنه، ثم يحلل ما يحصل عليه من بيانات باحثاً ومؤكداً الرغبات والصراعات والمخاوف اللاشعورية التي يعانيها المريض، ويكون بذلك قد جلب ما هو لاشعوري عند المريض إلى الشعور والوعي. ورأى فرويد أن هذه الطريقة تساعد على تفسير سلوك المريض. وانطلاقاً من ذلك كون فرويد نظرياته عن الشخصية السوية واللاسوية، واستمر في تنقيح ما كان يتوصل إليه بحسب ما أثبته له فحص المريض من ملاحظات، ومركزاً على المجالات اللاشعورية في الشخصية التي تتكون من ثلاثة نظم أساسية: الهو Id، والأنا Ego، والأنا الأعلى Super ego. واعتقد فرويد أن اللاشعور أو مرحلة ما قبل الشعور مدفونة تحت الوعي ويمكن أن تستدعى بسهولة، وهي تدخل في منطقة الوعي (الشعور) في صورة متخفية، وتظهر في الأحلام وزلات اللسان والأخطاء. وبحسب رأي فرويد فإن الحوافز والعوامل التي ساعدت على تكوين الشخصية والصراعات النفسية تميل إلى أن تكون لاشعورية. وأعطى الحوافز الجنسية دوراً مهماً في توليد كمية محدودة من الطاقة النفسية سماها الليبيدو libido، وهي عنده تساوي الطاقة الجسمية وإن كانت مختلفة عنها، وإذا لم تشبع هذه الطاقة فإنها تزيد الصراعات والتوتر، ولكي يظل الناس في حالة توازن فلابد من تفريغ هذا التوتر حتى لا يصل الكائن الحي إلى حالة الانفجار أو الشذوذ. أعطى فرويد أهمية كبيرة للخبرات المبكرة التي يمر بها الأطفال في تكوين شخصياتهم والمراحل النفسية التي مروا فيها، وأطلق عليها المراحل «النفسية الجنسية» وقال إن هذه الطاقة الجنسية تتمركز في مناطق مختلفة من الجسم وفقاً لمراحل النمو (الفم، الشرج، الأعضاء التناسلية)، وإذا حرم الأطفال أو أفرطوا في مرحلة معينة في أحد المناطق الثلاث المذكورة فإن الليبيدو يتعطل ويتوقف في هذه المرحلة. أعمال فرويد كان فرويد غزير الإنتاج، وذا أسلوب نثري متميز حتى إنه حصل على جائزة غوته في الأدب سنة 1930. وكان على دراية باللغتين الإنكليزية والفرنسية، ودرس اللاتينية والإغريقية، وتعلم ذاتياً الإيطالية والإسبانية، وله 187 مؤلفاً بين المقالة والبحث والخطاب والكتاب، ومن أهم مؤلفاته: «تفسير الأحلام»Die Traumdeutung عام (1900)، «النكتة وعلاقتها باللاوعي»Der Witz und seine Beziehung zum Unbewussten عـام (1911)، «الطوطمية والتابو» Totem und Tabu عـام (1913)، «ثلاث مقالات في نظرية الجنس» Drei Abhandlungen zur Sexualtheorie عـام (1920)، «ما وراء مبدأ اللذة» Jenseits des Lustprinzips عام (1921)، «علم نفس الجماهير وتحليل الأنا» Massenpsychologie und Ich-Analyse عام (1921)، «الأنا والهو» Das Ich und das Es عـام (1923)، «محاضرات تمـهيديـة في التحـليـل النفسي» Vorlesungen zur Einführung in die Psychoanalyse عـام (1924)، «مستقبل وهـم»Die Zukunft einer Illusion عام (1927)، «دستويفسكي وقتل الأب»Dostojewski und die Vatert?tung عـام (1928)، «عُسر الحضارة» Das Unbehagen in der Kultur عـام (1930)، «موسى والتوحيد» Der Mann Moses und die monotheistische Religion عام (1938). الانتقادات الموجهة إلى نظرية فرويد لم ينظر فرويد إلى أفكاره على أنها نهائية وتامة، فقد استمر طوال حياته يعدل فيها، ومع ذلك وجهت انتقادات إلى نظريته من أهمها: ـ تركيزه على الدافع الجنسي. ـ عدم إعطاء وزن مناسب للتأثيرات الاجتماعية والثقافية في مفهومه للشخص. ـ هناك كثير من المصطلحات التي أتى بها فرويد ولا يمكن التحقق منها، مثل الهو، الليبيدو، الأنا العليا. ـ افتقاره إلى الموضوعية والدقة والاتجاه العلمي في الأسس التي بنى عليها أفكار التحليل النفسي وأن ثمة قصوراً خطيراً في الخطوات التجريبية التي استخدمها فرويد في إثبات صدق فرضياته. ـ وقوعه، كما يرى السلوكيون، في أخطاء منطقية ولاسيما في قوله إن الذكور في السنوات الأربع الأولى من عمرهم يميلون إلى الأم أكثر من ميلهم إلى الأب. الفرويدية الجديدة على الرغم من الأخطاء التي وقع فيها فرويد فإن نظريته في التحليل النفسي لم تمت، فما زال حتى اليوم بعض علماء النفس والطب النفسي يؤيدون أفكاره في التحليل النفسي، وقد استخدم المؤرخون أسلوبه في التحليل النفسي في تحليل شخصيات تاريخية بارزة مثل هتلر، ونيكسون، وفي الوقت نفسه أيد العلماء السلوكيون، أفكار الفرويدية الجديدة التي هي بمنزلة تعديل لنظريات فرويد في التحليل النفسي وتنقيحها، أمثال: ألفرد أدلرA.Adler ما يبن (1870-1937) الطبيب النفسي النمساوي، وكارل غوستاف يونغ، وعالمة التحليل النفسي الألمانية كارن هورني K.Horney، وإريك فرومE.Fromm ما بين (1900-1980) من علماء التحليل النفسي الألمان أيضاً، وهاري ستاك سوليفانH.S.Sullivan ما بين (1892-1949) الطبيب النفسي الأمريكي، وعارض هؤلاء فرويد في بعض أفكاره أو انفصلوا عنه بسبب مبالغته في تقدير أهمية الحياة الجنسية للإنسان، وركزوا على التأثيرات الثقافية والاجتماعية، وأن الناس يرثون اللاشعور الجمعي الذي يجمع ذكريات الأجداد وعلاقاتهم وخبراتهم، وأكدوا النسق الاجتماعي والاختلاف الثقافي وتأثير ذلك في الشخصية الإنسانية، وأعطوا الحرية والعدالة والحقيقة معاني وأهمية كبيرة في التحليل النفسي. بقيت نظرية فرويد وأفكاره موضع جدل وتطوير وتحديث، واستمرت تأثيراتها واضحة في علم النفس والطب النفسي إضافة إلى الأدب والفن والفلسفة والميادين المرتبطة بها كنظرية فهم الشخصية والأمراض النفسية وعلاجها، في الوقت الذي ما زال ينظر إلى فرويد على أنه أحد عمالقة الفكر الحديث. فرويد والأدب والفن كان فرويد طوال مراحل عمره على صلة وثيقة بالحركة الثقافية عامة، وبالأدب والفن خاصة، وكان يرتبط بعلاقات شخصية متنوعة مع فناني وأدباء عصره في النمسا وألمانيا ويتابع الأدب الأوربي عن كثب. ولتحليل علاقته الوثيقة بالأدب لابد من متابعتها على صعيدين، فعلى صعيد التلقي كان فرويد قارئاً نهماً، فتعمق في قراءة التوراة والإنجيل بترجمة مارتين لوتر، كما قرأ الأدب الإغريقي وتوقف مطولاً عند سوفوكليس، وقرأ غوته الذي حفَّزته تجاربه العلمية على دراسة الطب، وسر?انتس (ثربانتس) وهاينه وستندال وديدرو ونيتشه ودستوي?سكي. ووفرت له موضوعات الأدب العالمي إلى جانب أحلام وسيَر مرضاه مادة غنية للتوغل في آليات ومجريات النفس البشرية. ولاشك في أن صياغته المهمة لـ «عقدة أوديب» Oedipuskomplex تدين لأدباء سابقين، يأتي في مقدمتهم ديدرو. وعلى صعيد تاريخ الفكر يأتي فرويد في نهاية الحقبة الرومنسية (الإبداعية) إذ إنه تابع بطرائقه العلمية حركة «البحث عن الأنا» التي ميَّزت الأدب والفن الرومنسيين. وتكمن أهمية فرويد البالغة في أدب القرن العشرين في أعمال مجموعة من كبار أدبائه من مثل جيمس جويس (المونولوغ الداخلي) ومارسيل بروست (تداعي الذكريات)، علماً أنه ليس ثمة ما يثبت بثقة أنهما اطّلعا على أعمال فرويد. وحتى زعْم السرياليين انتماءهم إلى فرويد، أبي تفسير الأحلام، يراه بعضهم نوعاً من العقلنة اللاحقة أكثر من كونه مصدراً لإلهامهم الفني. أما الأدباء الذيـن يتجلى تأثيـر فرويد في أعمالهم بصورة واضحة فهم: كافكا (الشعور بالذنب، الحاجة إلى العقاب)، وتوماس مَن (تفسير ومعالجة الأساطير كما في ثلاثيته الروائية «يوسف وإخوته Joseph und seine Brüder»)، وسارتر على الرغم من نأيه عنه فكرياً. ودخلت مصطلحات التحليل النفسي الفرويدي في صلب النقد الأدبي. ومن المعروف أن دراسة فرويد الشهيرة في تحليل شخصية ليوناردو دا?نشي من خلال تمثال «موسى» أسهمت لاحقاً في تأسيس ما عُرف بـ«علم الجمال الفرويدي» الذي عرضته وشرحته الباحثة الفرنسية سارة كوفمَن Sara Kofman في كتابها «طفولة الفن» L’enfance de l’art. إلا أن الأهم من هذا كله هو تأثير فرويد التنويري البالغ في طموح إنسان القرن العشرين إلى تحرير النفس وفهم أعماقها. كمال أبو شهدا، نبيل الحفار |
|
| | #129 |
|
. ![]() | ![]() سعيد (إدوارد) (1935ـ 2003) إدوارد سعيد Edward Said كاتب وناقد ومفكر سياسي، ولد في القدس لأبوين فلسطينيين كانا يعيشان مع أولادهما بين القدس والقاهرة لطبيعة عمل الوالد، وذلك قبل أن تجعل نكبة 1948 من مصر ولبنان أمكنة إقامة دائمة لهذه العائلة. التحق إدوارد سعيد في القاهرة بعدد من المدارس، وتميزت سيرته الدراسية بالتفوق من جهة، وعدم التكيُّف مع هذه المدارس التي أقامها الاستعمار الإنكليزي في مصر من جهة أخرى. وهذا ما دفع أسرته لأن ترسله إلى الولايات المتحدة لإكمال دراسته، الأمر الذي تيسّر لـه، لأنَّ والده كان قد جاء إلى أمريكا في شبابه وحصل على الجنسية الأمريكية. بدأت مسيرة إدوارد سعيد في أمريكا عام 1951 بالتحاقه بمدرسة داخلية في ولاية ماساتشوستس مدة سنتين أنهى فيهما دراسته الثانوية. التحق بعد ذلك بجامعة برنستن Princeton حيث درس الأدب الإنكليزي والتاريخ، ثمّ أنهى تمرسَّه الأكاديمي في هارفرد، حيث قدَّم أطروحته لنيل الدكتوراه في الأدب المقارن عن الروائي الإنكليزي البولندي الأصل جوزيف كونراد Joseph Conrad، قبل أن ينتقل إلى جامعة كولومبيا التي ظل يدَّرس فيها الأدب الإنكليزي والأدب المقارن حتى وفاته. تحولت أطروحة الدكتوراه التي قدَّمها إدوارد سعيد إلى كتابه الأول الذي صدر عام 1966 بعنوان «جوزيف كونراد ورواية السيرة الذاتية» Joseph Conrad and the Fiction of Autobiography، ودقّق في هذا الكتاب في رسائل كونراد ورواياته القصيرة فوجد كثيراً من التقاطعات، من حيث إحساس المنفى، والوجود داخل اللغة وخارجها، والشك الجذري وانعدام اليقين، والإحساس الدائم بأن شيئاً رهيباً غامضاً على وشك الحدوث. وقد اعتمد في هذا الكتاب على منجزات مدارس نقدية أوربية وأميركية مهمَّة. ورأى أنَّ صيرورة المرء كاتباً هي ضَرْبٌ من المشروع أكثر منها مهنة أو عملاً، فالكاتب إذ يسكب ذاته في سلسلة من الأعمال إنما يترك لهذه الأعمال أن تحدد هويته. صدر كتاب إدوارد سعيد الثاني، «بدايات: القصد والمنهج» Beginnings: Intention and Method عام 1975، وهو تأمل في مشكلة البدايات في كلٍّ من الرواية الكلاسيكية والأدب الحداثي والأعمال النقدية الجديدة، تأملٌ يربط البدايات بالاستمرارية وميل الذات إلى التطور والتغير. ويبدو في هذا مقدار تأثره بالفيلسوف الإيطالي جامباتيستا فيكو Giambattista Vico، الذي رأى أن البدايات لا تُكتَشَف بل تُخلَق وتُصاغ وتتفاعل وتتطور. لكنَّ هذا الكتاب ظل عصياً على القراءة، نظراً لأسلوبه المكثَّف ومادة موضوعاته المجرَّدة والفلسفية وإحالاته إلى كثير من المفكرين الآخرين. ويلاحظ قارئ كتب إدوارد سعيد اللاحقة أنه انتقل عامداً إلى أسلوب أكثر يسراً في الوصول إلى القارئ. ثمة تواريخ مهمَّة بين صدور مؤلفي إدوارد سعيد تركت أبلغ الأثر لديه. ففي عام 1967 كانت هزيمة العرب أمام إسرائيل. وفي عام 1969 جاء إدوارد سعيد إلى الأردن ليشهد في العام التالي أحداث أيلول الأسود، ويتبلور تعاطفه مع حركة المقاومة الفلسطينية. ثم غادر إلى بيروت حيث تزوج من سيدة لبنانية، ودرس اللغة العربية على يد أنيس فريحة، ونهل من التراث العربي قديمه وحديثه، قبل أن يشهد حرب تشرين 1973، ويكتشف عيانياً الفرق بين ما يجري على الأرض وما تصوِّره وسائل الإعلام الغربية. وقد أدّى ذلك كله إلى تبلور تفكير إدوارد سعيد في الخطاب الاستشراقي، ما أثمر في العام 1978 كتاب «الاستشراق» Orientalism الذي زلزل المؤسسة الاستشراقية وغيَّرها من حال إلى حال. ويستكشف إدوارد سعيد هنا تلك الصورة التي ابتدعها الغرب عن الشرق، ويبيِّن أنَّ الخطاب الاستشراقي ليس مجرد فرع علمي حيادي، بل تخترقه علاقات القوة والسلطة. فالأوربيون، وبعدهم الأمريكيون، الذين كتبوا عن «الشرق»، فعلوا ذلك بطرائق كان لا مفرَّ من أن يؤطِّرها ويتحكم فيها اندفاع بلدانهم لإخضاع الشعوب الشرقية واستغلالها. وقد ظهر في هذا الكتاب مدى تبحُّر إدوارد سعيد، فضلاً عن تأثره الخاص بكلٍّ من أنطونيو غرامشي Antonio Gramsci الإيطالي وميشيل فوكو Michel Foucault الفرنسي. ويمكن القول إنَّ ما يدور حوله كتاب «الاستشراق» ومعظم أعمال إدوارد سعيد اللاحقة، هو العلاقة بين التمثيل وبناء الصور والسرديات من جهة وما يتخلَّل ذلك من ممارسة القوة والسلطة من جهة ثانية، وتعالج هذه الأعمال العلاقة بين الثقافة والسياسة، إذ ينظر إدوارد سعيد إلى السياسة على أنها قضية سرديات متصارعة يحاول فيها كل طرف إضفاء الشرعية على رؤيته للعالم عن طريق بناء سرد خاص به، ومن أهمِّ الأمثلة على ذلك: الصراع العربي ـ الإسرائيلي، إذ تحاول الرواية الصهيونية إسكات الرواية العربية وإنكار وجودها، في حين تصرُّ الأخيرة على وجودها وعلى إعادة سردها من البداية. هذا هو الإطار الذي يمكن أن توضع ضمنه أعمال إدوارد سعيد: «قضية فلسطين» (1979) The Question of Palestine ، وكذلك «تغطية الإسلام» (1981) Covering Islam، الذي يستكمل فيه نقد خطاب الاستشراق بنقد الصور النمطية الزائفة التي تلجأ إليها وسائل الإعلام الأمريكية لدى تناولها موضوعات الإسلام والشرق، وأيضاً مؤلف «بعد السماء الأخيرة» (1986) After the Last Sky ، الذي اشتمل على صور التقطها جان مور Jean Mohr وكان نوعاً من التأمل الألمعي في الهوية الفلسطينية، و«لوم الضحايا: الأكاديمية الزائفة ومسألة فلسطين» (1988) Blaming the Victims ، الذي أشرف عليه بالاشتراك مع كريستوفر هتشنز Christopher Hitchens وضمَّ له ثلاث مقالات إلى جانب كُتَّابٍ آخرين. قبل ذلك، كان إدوارد سعيد قد أصدر كتابه «العالَم، النص، الناقد»The World, the @-@@-@@-@@-@, and the Critic ، حيث طور مفاهيم نقدية جديدة مثل «النقد العلماني أو الدنيوي» (1983) secular criticism الذي يشير إلى أن اللغة هي عن التجربة وليست عن نفسها. ولذلك، فإنه ليس بمقدور النقد أن يقصِر نفسه على النص وحده، و لابد للناقد أن يعرف كيف يقرأ النص وشرطه الدنيوي الذي ينشبك فيه، وإلا اندفع النقد لأن يكون « نقداً دينياً» ينسخ الثقافة إلى شعائر وشعائر مضادَّة، وإلى يافطاتٍ مطْلَقة. أما مفهوم «ارتحال النظرية» traveling theory فيرى أن الأفكار والنظريات تسافر مثل البشر، منطلقة من لحظة ميلاد ونقطة بدء في مسار رحيل وشروط وصول ومقتضيات رحيلٍ جديد، مع كل ما يطرأ عليها في هذه الرحلة من تحوُّلٍ وتغيُّر تبعاً لما يكتنفها من ظروف. في عام 1991 شُخِّصَ لدى إدوارد سعيد مرض سرطان الدم الذي قاومه حتى وفاته في نيويورك، فقد واصل الكتابة، والمحاضرة، والظهور في البرامج الإعلامية، والسفر الكثيف مدافعاً عن قضية فلسطين وعن أفكاره النظرية بنشاطٍ أقرب إلى الأعجوبة. وفي العام نفسه صدر كتابه «إحكاماتٌ موسيقية» Musical Elaborations، وكان التأمل الأعمق في اهتماماته الموسيقية التي شغلته منذ الطفولة، ليس عازف بيانو مهماً وحسب بل منظِّراً موسيقياً أيضاً. وفي العام 1993 أصدر إدوارد سعيد كتابه «الثقافة والامبريالية» Culture and Imperialism موسِّعاً منظوره، ومؤكداً على استمرار الإمبراطورية مع اهتمام هذه المرَّة بالشعوب المستعمَرة التي لم تظل على خَرَسِها بل أفصحت عن مقاومة يتتبعها الكاتب لدى عددٍ متنامٍ من الكتّاب الذين ردُّوا على الامبريالية بفصاحةٍ ومن دون انغلاق، مثل فرانز فانون Frantz Fanon، وإيميه سيزير Aimé Césaire. والمفتاح المنهجي في هذا الكتاب هو مفهوم «الطباقية» contrapuntalism الذي يستمدُّه من الموسيقى، وفيه تتبارى وتتصادم ألحان (موضوعات) متنوعة من دون أن يكون لأيٍّ منها امتيازٌ إلا بصورة مؤقتة لا تحول دون ظهور سواها كخلفية أو محيط أو دون انطواء تعدد النغمات على تلاؤم ونظام. وهذه هي الطريقة التي يقرأ بها سعيد الأرشيف الإمبريالي. فالطباقية تعني هنا فهم تجارب متباينة لكلٍّ منها جدول أعماله وسرعة تطوره، وتكويناته الداخلية، وتماسكه، ونظام علاقاته الخارجية الخاصة، وجميعها متعايشة ومتفاعلة إحداها مع الأخرى. وما ينطوي عليه هذا المفهوم هو الإقرار بأنَّ كلاً من الشعوب المسيطِرة والتابعة في الامبريالية تتقاسم العالم العلماني ذاته، فليس ثمة سوى فضاء ثقافي عالمي واحد، ملكية مشتركة للبشرية بأجمعها، وكذلك لغة كونية من الحقوق والمُثُل، يُشَنُّ فيها النضال من أجل التحرر والتئام الشمل دون تعصُّب ولا أصولية. في عام 1994 صدر كتاب إدوارد سعيد «تمثيلات المثقف» Representations of the Intellectual، وهو في الأصل مجموعة محاضرات تنظِّمها هيئة الإذاعة البريطانية BBC لشخصية مهمة في كل عام. ويتابع سعيد في هذا الكتاب خيوط ارتحال النظرية، ودور المثقف التقدمي، خاصةً دوره في قول الحقيقة في وجه القوة. وفي العام نفسه صدر كتابه «سياسة التجريد» The Politics of Dispossession، وفي 1995 «السلام ومنغصَّاته» Peace and Its Dis@-@@-@@-@@-@@-@@-@@-@s. وفي 1999 صدر «خارج المكان» Out of Place: A Memoir، الذي يروي بعضاً من سيرته الذاتية، وذلك الإحساس الطاغي الذي ظلَّ يلازمه بأنه «خارج المكان على الدوام». أما في عام 2000 فقد صدر «نهاية عملية السلام» The End of the Peace Process ثم «تأملات حول المنفى» Reflections on Exile and Other Essays، الذي جمع فيه مقالاته ومراجعاته الأطول المكتوبة على مدى خمسة وثلاثين عاماً. وبين الأعوام 2001 و 2003 صدر كتاب سعيد «القوة، السياسة، الثقافة» Power, Politics, and Culture، وهو مجموعة حوارات فكرية، وكذلك «القلم والسيف» The Pen and the Sword، وهو مجموعة حوارات أصغر حجماً. وفي عام 2003 صدر كتابه الصغير «فرويد وغير الأوربيين» Freud and the non-European، آخر إصدار لـه في حياته، وهو نصُّ محاضرة ألقاها في متحف فرويد في لندن، وكان من المفترض أن يُلقيها في فيينا، لكن الضغوط الصهيونية حالت دون ذلك بحجة ظهور صورة له في جنوب لبنان بعد تحريره، وهو يلقي الحجارة على موقع إسرائيلي قرب بوابة فاطمة. وتناولت هذه المحاضرة فكرة الهوية في كتاب فرويد «موسى والتوحيد». إضافة إلى المقالات التي كتبها إدوارد سعيد في معارضة شرسة لأعمال حلف الأطلسي في كوسوفو ولغزو العراق سنة 2003، أعدّ لإصدار مجموعة من الكتب السياسية، وكتاب عن الأوبرا، ودراسة عن فكرة «الأسلوب المتأخر»، فضلاً عن دراسة شاملة عن النزعة الإنسية في الولايات المتحدة، صدرت في أواسط عام 2004 بعد وفاته بعنوان «الإنسيّة والنقد الديمقراطي» Humanism and Democratic Criticism، يهتم فيها بالتغيرات الحاصلة في الجامعات ومراكز البحث العلمي والمؤسسات الثقافية بتأثير أحداث 11 أيلول 2001. أدّت مواقف إدوارد سعيد الفلسطينية إلى تعرُّض مكتبه لعمليات تخريب، فضلاً عن تهديدات بالقتل له ولأفراد عائلته. وقد أطلق عليه الإعلام المنحاز لإسرائيل لقب «بروفسور الإرهاب» وشكَّك في فلسطينيته واتهمه بمعاداة السامية. ومن ناحية أخرى، فقد استقال إدوارد سعيد عام 1991 من المجلس الوطني الفلسطيني الذي سبق أن دخله شخصية مستقلة، كما شجب اتفاقية أوسلو واتفاق غزة ـ أريحا، ورفض حضور حفلة التوقيع. يُعدُّ إدوارد سعيد من أهم الكتّاب والمفكرين في هذا العصر. فقد كان لكتاباته تأثير هائل على نطاق العالم بأسره، علمياً وعلى مستوى النقاش العام، حيث تُقتبَس أعماله، ويُبنى عليها، ويستوحى منها، وتُهاجَم أو يُدافَع عنها في أوساطٍ متنوعة أشد التنوع ولدى جمهور واسع. ولا عجب في ذلك، فقد ضمَّ نطاق خبراته واهتماماته فروعاً أكاديمية، وأشكالاً فنية، ومناخاتٍ سياسية حافلة، ولذلك كان لـه تأثيره العميق في النقاشات حول التاريخ والسياسة والأنثروبولوجيا والجغرافيا وسطوة وسائل الإعلام وأغراض التربية ومسؤوليات المثقف والأفكار حول الهجرة والمنفى والتعددية الثقافية والدين واللغة والحرب والفنون البصرية والمتاحف والرواية والسينما، والموسيقى وسوى ذلك الكثير، مما جعله مفكراً كونياً محلِّقاً ونموذجاً مثالياً للمثقف النقدي، الذي لا يني يوبِّخ التخصص الأكاديمي الضيق، ويدعو إلى التغيير، ويجهر بالحقيقة في وجه القوة والسلطة. كان إدوارد سعيد علاّمةً متبحراً بين العلماء، وناقداً للامبريالية ألمعياً لايلين، ومناضلاً فلسطينياً مستقلاً في ثقافة عامة تهيمن عليها نزعة الانحياز للصهيونية، وقد غيَّرت كتاباته خارطة الحياة الفكرية المعاصرة أعمق التغيير وأشدَّه اتصافاً بالأخلاقية والانتصار للإنسان. ثائر ديب |
|
| | #130 |
![]() الاسم : عائض بن عبدالله بن عائض آل مجدوعي القرني . من مواليد عام ( 1379 هـ ) ببلاد القرن جنوب المملكة العربية السعودية . حصل على الشهادة الجامعية من كلية أصول الدين جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام ( 1403هـ – 1404 هـ ) . حصل على الماجستير في الحديث النبوي عام ( 1408 هـ ) وعنوان رسالته : " البدعة وأثرها في الدراية والرواية " . حصل على الدكتوراه من جامعة الإمام عام ( 1422 هـ ) بعنوان " دراسة وتحقيق كتاب المفهم على صحيح مسلم للقرطبي . له أكثر من ( ثمانمائة ) شريط كاسيت إسلامي في الخطب والدروس والمحاضرات والأمسيات الشعرية والندوات الأدبية . يحفظ القرآن الكريم , وكتاب بلوغ المرام ويستحضر ما يقارب من خمسة آلاف حديث وأكثر من عشرة آلاف بيت شعر . •له أربعة دواوين شعرية هي : 1 – لحن الخلود / 2- تاج المدائح / 3 – هدايا وتحايا / 4 – قصة الطموح . أما مؤلفاته : - فقد ألف في الحديث والتفسير والفقه والأدب والسير والتراجم ومن مؤلفاته التي أصدرتها دار ابن حزم بلبنان . 1 – الإسلام وقضايا العصر . 2 – تاج المدائح . 3- ثلاثون سبباً للسعادة . 4 – دروس المسجد في رمضان . 5- فاعلم أنه لا إله إلا الله . 6 – مجتمع الُمُثل . 7 – ورد المسلم والمسلمة . 8 – فقه الدليل . 9 – نونية القرني . 10 – المعجزة الخالدة . 11 – اقرأ باسم ربك . 12 – تحف نبوية . 13 – حتى تكون أسعد الناس . 14 – سياط القلوب . 15 – فتية آمنوا بربهم . 16 – هكذا قال لنا المعلم . 17 – ولكن كونوا ربانيين . 18 – من موحد إلى ملحد . 19 – إمبراطور الشعراء . 20 – وحي الذاكرة . 21 – إلى الذين أسرفوا على أنفسهم . 22 – ترجمان السنة . 23 – حدائق ذات بهجة . 24 – العظمة . 25 – لا تحزن . 26 – وجاءت سكرة الموت بالحق . 27 – مقامات القرني . 28- أحفظ الله يحفظك . 29 - أعذب الشعر . حضر عشرات المحاضرات والأمسيات , وحضر مؤتمر الشباب العربي المسلم ومؤتمر الكتاب والسنة بالولايات المتحدة الأمريكية , وحاضر في الأندية الأدبية والرياضية وحاضر في الجامعات والملتقيات الثقافية . | |
|
![]() |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
| |
المواضيع المتشابهه | ||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| معلومات هامه للبنات | اللوتس | منتدى عالم حواء | 8 | 12-11-2009 11:01 AM |
| اليوم قدمت لكم صور شخصيه للمسنجر | aĻ7Ļм aĻṡαнεя | ماسنجر - توبيكات - MsN | 13 | 04-19-2009 11:57 AM |